أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

513

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

المعرفة إلا موصوفة ، ولمّا ساغ وصفها ب « الَّتِي » . قال الشيخ « 1 » : وما ذكره متعقب أما دعواه أنّ « عدنا » علم بمعنى العدن فيحتاج إلى توقيف وسماع من العرب ، وكذا دعوى العلمية الشخصية فيه ، وأما قوله : ولولا ذلك إلى قوله : موصوفة . فليس مذهب البصريين ، لأن مذهبهم جواز إبدال النكرة من المعرفة ، وإن لم تكن موصوفة ، وإنما ذلك شيء قاله البغداديون ، وهم محجوجون بالسماع على ما بيناه وملازمته فاسدة ، وأما قوله : ولمّا ساغ وصفها بالتي فلا يتعين كون « الَّتِي » صفة وقد ذكرنا أنه يجوز إعرابه بدلا » . قلت : الظاهر أنّ « الَّتِي » صفة والتمسك بهذا الظاهر كاف ، وأيضا فإنّ الموصول في قوة المشتقات . وقد نصّوا على أنّ البدل المشتق ضعيف فكذا ما في معناه . قوله : بِالْغَيْبِ فيه وجهان : أحدهما : أنّ الباء حالية ، وفي صاحب الحال احتمالان ، أحدهما : ضمير « الْجَنَّةَ » وهو عائد الموصول ، أي : وعدها وهي غائبة عنهم لا يشاهدونها . والثاني : أن يكون هو عباده ، أي : وهم غائبون عنها ، لا يرونها ، إنما آمنوا بها بمجرد الإخبار منه . والوجه الثاني : أن الباء سببية ، أي : بسبب تصديق الغيب ، وبسبب الإيمان به . قوله : إِنَّهُ كانَ يجوز في هذا الضمير وجهان : أحدهما : أنه ضمير الباري تعالى يعود على الرحمن ، أي : إنّ الرحمن كان وعده مأتيا . والثاني : أنه ضمير الأمر والشأن ، لأنه مقام تعظيم وتفخيم . وعلى الأول يجوز أن يكون في « كانَ » ضمير هو اسمها يعود على اللّه تعالى ، و « وَعْدُهُ » بدل من ذلك الضمير ، بدل اشتمال ، و « مَأْتِيًّا » خبرها ، ويجوز أن لا يكون فيها ضمير ، بل هي رافعة ل « وَعْدُهُ » ، و « مَأْتِيًّا » الخبر أيضا ، وهو نظير « إن زيدا أبوه منطلقا » . و « مَأْتِيًّا » فيه وجهان : أحدهما : أنه مفعول على بابه ، والمراد بالوعد : الجنة أطلق عليها المصدر ، أي : موعودة ، نحو : « درهم ضرب الأمير » ، وقيل : الوعد مصدر على بابه ، و « مَأْتِيًّا » مفعول بمعنى فاعل . ولم يرضه الزمخشري ، فإنه قال : « قيل في « مَأْتِيًّا » مفعول بمعنى فاعل . والوجه : أنّ الوعد هو الجنة ، وهم يأتونها ، أو هو من قولك : « أتى إليها إحسانا » ، أي : كان وعده مفعولا منجزا » . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 62 إلى 64 ] لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 62 ) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا ( 63 ) وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ( 64 ) قوله : إِلَّا سَلاماً أبدى الزمخشري فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون معناه إن كان تسليم بعضهم على بعض ، أو تسليم الملائكة عليهم لغوا ، فلا يسمعون لغوا إلّا ذلك ، فهو من وادي قوله :

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 202 ) .